فخر الدين الرازي
137
تفسير الرازي
فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني : أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الأدام أولى بالحضور ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال : * ( وهم مكرمون ) * لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم . ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال : * ( في جنات النعيم * على سرر متقابلين ) * ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب ، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم ، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة ، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم ، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشرب فقال : * ( يطاف عليهم بكأس من معين ) * يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأساً قال : وكأس شرت على لذة * وأخرى تداويت منها بها وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وقوله : * ( من معين ) * أي من شراب معين ، أو من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معيناً لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جارياً ، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه ، وقوله : * ( بيضاء ) * صفة للخمر ، قال الأخفش ، خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن ، وقوله : * ( لذة ) * فيه وجوه أحدها : أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين وثانيها : قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف وثالثها : قال الليث : اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحداً في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى : * ( بيضاء لذة للشاربين ) * وقال تعالى : * ( من خمر لذة للشاربين ) * ( محمد : 15 ) ولذلك سمي النوم لذاً لاستلذاذه ، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة ، والأقرب من هذه الوجوه الأول . ثم قال تعالى : * ( لا فيها غول ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس : وما زالت الكأس تغتالهم * وتذهب بالأول الأول وقال الليث : الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا ، قال الواحدي رحمه الله وحقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولاً أي أهلكه ، والغول والغائل المهلك ، ثم سمي الصداع غولاً لأنه يؤدي إلى الهلاك . ثم قال تعالى : * ( ولا هم عنها ينزفون ) * وقرئ بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته ، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه